طارق حجي
مقدمة لازمة :
رغم أن مصرَ كانت كلهَا “مسيحية” لعدةِ قرونٍ ورغم أن المساهمةَ المصرية في بقاء العقيدة المسيحية بالشكل الحالي كانت هي المساهمة الكبرى وبرغم أن أكثر من مليون مصري قد ماتوا دفاعاً عن إيمانهم المسيحي فإن معظم المصريين المعاصرين بما في ذلك المثقفين (وكبار المثقفين) إما أنهم لا يعرفون شيئاً على الإطلاق عن المسيحية وتاريخها في مصرَ أو أنهم على الأكثر يعرفون القليل جداً عن كل ذلك .
وتدلني خبرتي المعرفية والثقافية على أن الإنسانَ كما أنه دائماً مُعرّض لأن يكون عدوَ ما يجهل فإنه يكون أيضاً أكثر قدرة على التعايش والتجاور المتحضرين مع “الآخر” عندما يكون مزوداً بمحصولٍ معرفيٍّ واسعٍ عن هذا “الآخر”. كان ذلك من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى تعاطفي مع “الآخرين” كمعلمٍ من معالمِ تفكيري ووجداني هما الدافع لي أن أغوص في عالمِ المسيحية كما فعلت في عوالمٍ أخرى درستها وتعرفت على دقائقها فأصبح من المستحيل أن توجد بيني وبينها علاقة رفض قائمة على التعصب والشعور بالتميّز في جانبٍ والدونيةِ في جانبٍ آخر (فالمعرفة تمحو إمكانية ذلك كليةً) .
ويمكن تلخيص رحلتي المعرفية مع المسيحية بوجهٍ عامٍ والمسيحية في مصرَ بوجهٍ خاصٍ في المحطات الرئيسية التالية :
الكتاب المقدس :
رغم مطالعتي للكتابِ المقدس (بعهديه) مرات عديدة منذ منتصف الستينات إلاِّ أنني أوليته عنايةً خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة حيث طالعته عشرات المرات بدقةٍ شديدةٍ كما طالعت خلال هذه السنوات مئات الدراسات التي وضعها المتخصصون في الكتاب المقدس بمراكزِ بحثٍ عالميةٍ مرموقةٍ وبالذات الدراسات المُعمقة فيما يُعرف بالمصدر الألوهيمي والمصدر اليهووي الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس ثم تركيز أشد على الفترة التي تتعلق بالأنبياء من صموئيل إلى أنبياء الأسر البابلي مع عناية فائقة بعهد وشخصية وأسفار النبي الملك داود . وبنفس القدر كان إهتمامي بالعهد الجديد وبدراساتٍ مرتبطة مثل كل ما نُشر من أبحاثٍ عن لفائف البحر الميت ونجع حمادي .
تاريخ المسيحية :
خلال السنوات العشر الماضية طالعتُ مئات المراجع عن تاريخ المسيحية بوجهٍ عامٍ وتاريخ المسيحية في مصر بوجهٍ خاصٍ وهو ما قادني إلى منطقتين أُخريين من مناطق البحث والدراسة هما دراسات اللاهوت المسيحي بوجهٍ عامٍ ومواقف الكنيسة المصرية من هذه المسائل اللاهوتية ولا سيما في حقبة الخلاف الكبير الأول (الآريوسية والنسطورية) والخلاف الكبير الثاني (حول الطبيعة الواحدة أو الثنائية للسيد المسيح لا سيما إبان باباوية الأنبا ديسقورس) … وثانياً موضوع “تاريخ البطاركة في مصر” حيث أوليت إهتماماً كبيراً بتاريخ البطاركة بوجهٍ عامٍ وبالمحطات الرئيسية في هذا الموضوع ومن أبرزها عهود وشخصيات مثل البابا أثناسيوس الرسولي وكيرلس عمود الدين وديسقورس ثم في العصر الحديث البابا كيرلس الرابع كما أوليت عناية فائقة بعهد البابا كيرلس الخامس .
الرهبنة والأديرة المصرية :
وكان من الطبيعي أن تؤدي رحلة المعرفة بالمسيحية (سواء من زاوية الكتاب المقدس أو من زاوية تاريخ المسيحية ومواقف الكنيسة المصرية من المسائل اللاهوتية وتاريخ البطاركة في مصر) إلى التعرف على عالمٍ رحبٍ آخر هو عالم الرهبنة والرهبان والأديرة في مصر وهو ما تطّلب مطالعة عشرات المجلدات وزيارة عشرات الأديرة في شتى أنحاء مصر .
توضيح :
هذه “المقدمة اللازمة” هي من جهة الكلمة التي بدأت بها واحدة من محاضراتي عن (الُبعد القبطي في رقائق التكوين الثقافي المصري) وهي هنا مقدمة لازمة لورقة إستراتيجية قدمتها لمؤتمر آخر يبحث في الأصولية والتعصب – وهدفي من جمع النصين معاً هو أن أقول ببساطة: أن الجهلَ هو أبُ التعصبِ … كما أن التعصبَ هو الآفةُ التي من رحمها تخرج “المسألة القبطية المتأزمة في مصرَ اليوم” ، وبالتالي فإن المعرفة الواسعة من جهة هي الأداة الوحيدة لاستئصال شافة التعصب (ثقافياً) كماّ أن علاج أعراض المسألة القبطية يبقى أمراً غير مُجدي بدون التعامل مع المطبخ الذي أفرز هذه الأزمة وأعني (مطبخ التعصب). ونظراً لأن هذه الكلمة والورقة التي ستأتي بعد هذه الكلمة كانتا قد أُلقيتا في معهد علمي طالب من المشاركين فيه الالتزام بسرية الندوة لاعتبارات منطقية للغاية فإنني أنشر ما قلته أنا (لإنه بضاعتي الخاصة) ولا أنشر شيئاً آخر قيل في تلك الندوة كما لا أشير لإسم المعهد المنظم للندوة ومكان وتاريخ إنعقادها.
التعامل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |